الإنسانية.. كذبة دمرت الإنسان

الإنسانية.. كذبة دمرت الإنسان

رغم تطور الأحداث وتسارعها في زمن التكنولوجيات والاختراعات المبهرة التي أصبح الإنسان يهرول ورائها، وذلك من أجل اكتساب قوة أكبر، إلا أنني تشبثت دائماً بفكرة واحدة، أنه ليس شرطا أن تكون قويا لكي تكون سعيدا، على عكس ما يحدث الآن في هذا العالم، الكل يجري وراء القوة لكي يشعر بالسعادة، لكي يعيش بين جدران العالم الأربع، واجهة تسمى السلام، جدار الأسلحة، جدار الدمار، ثم الموت.

على شرفة إنسانيتي تغلبت على الضعف مرارا من دون أن تستحوذ عليها هواجس القوة والسيطرة، لكن ظل السؤال مطروحا بذهني هل سأكون أنا أيضاً سعيدة ما إن أصبح قوية؟ تهت وأنا أحاول فك المعادلة حتى انجرفت ورائي سيول من التساؤلات، مثلا هل قوة إنسان تعني تدمير إنسان آخر؟ لم كل هذا الدمار الذي يساهم فيه الإنسان في سبيل قوة واهمة؟ أليس غريبا أن نُسمى إنسانا ولا إنسانية فينا؟ أليس غريبا أننا ما زلنا نبحث عن الإنسانية ونحن الإنسان؟

في سبيل الاستمرارية بهذا العالم الكئيب، نسينا تماما أننا إنسان يحكمنا الحب قبل القوة، تجمعنا المودة، لنضمن استمرار التعايش بالتسامح
نحن الآن نعيش بعالم نتحدث فيه عن العنصرية حين نَصِف الإنسان الأسمر ولا نتحدث عنها عندما نصف الأشقر، نتحدث بإسم الحرية عندما يتعلق الأمر بسجن الإنسان ولا نحتج على سجن الإنسانية وتقييدها بأغلال القوة المدمرة والحقد والكراهية المنتشرة ثم نقول أين الحرية .

إن الحرية عنوان الإنسانية فكيف لنا ان نكون إنسانا حرا من دون إنسانية؟ لربما نحن الآن بعالم أصبحنا فيه أقوياء لكننا لسنا أحراراً! عالم نتبجح فيه بزمن الاختراعات والتطورات والتقدم ونتحدث عن الرقي والحضارة، في حين أننا لا نرى سوى تخريب أكثر من طرف الإنسان للإنسان نفسه، نتدخل بالأسلحة لنشر السلام فيه، ولا نتخذ السلام مبدئا ونقضي على الأسلحة المدمرة له.

  لست أدري ما هي حدود المشكلة وما أصلها ونحن بعالم نتحدث فيه عن قيم الإنسانية والتضامن والتآزر ونتوفر على وسائل وإمكانيات المساعدة المختلفة، كما تتعدد فيه كافة سبل مد يد العون للآخر رغم الصعوبات التي تواجه بعضنا، لكننا نشهد عواقبها، فنرى الإنسان الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا، إلا في بعض الحالات وفقط في صفوف بعض الفقراء الانتهازيين من ينتشلون كومة الإنسان الفقيرة يحرقونها ثم يدفنوها لتعبيد طريقهم نحو الغنى ولو على حساب دهس أحلام الفقراء أمثالهم بآلة سحق الإنسانية وقنص الثراء.
  لست أدري حجم الجشع الذي حكم سلوك الإنسان، وكيف سيطر على إنسانيتنا حتى تخطى جميع السلوكيات الهمجية والبربرية القديمة بوحشيتها وتخلفها، ففي سبيل الصعود على سلالم العيش برفاهية وبذخ أصبح الإنسان عدوا لأخيه، عميت بصره وفسدت بصيرته، لا أعلم سوى أنه في بقع كثيرة من هذا العالم الذي حكمه الخراب، سُفكت العديد من نقط الدم الحمراء من أجل بضع نقط نفط سوداء اللون بلون العنصرية المزعومة التي يندد بها العديد من أبواق اللاإنسانية، حيث ازداد يقيني أكثر أن هذا العالم يحكمه قانون الغاب، القوي يحكم والضعيف يسعى للعيش أكثر، والبقية تتناسل من أجل التكاثر فقط وضمان عدم الانقراض فئة العبيد التي تخدم من يرمي لها عظمة تلتهي بها وتكتفي بالعيش تحت ظل الذل والاستبداد.
  ففي سبيل الاستمرارية بهذا العالم الكئيب، نسينا تماما أننا إنسان يحكمنا الحب قبل القوة، تجمعنا المودة، ويضمن استمرار التعايش والتسامح، لكننا لم نعد نرى للأسف سوى كائنات آدمية جعلت من الحب مجرد غريزة جنسية حيوانية يتكاثر بها الإنسان وتموت بها الإنسانية، ونحن نبحث عن التقدم، استحوذت على إنسانيتنا القوة وحب التملك، فقدنا البوصلة، وتغيرت سلوكياتنا تجاه أنفسها وتجاه الآخرين، فمن سيوقف إذن الإنسان من المساهمة في تفاقم الكارثة الإنسانية؟ هل الإنسان نفسه! هل من سبيل لاسترجاع القليل من الإنسانية بقلوبنا بعد أن دمرتها أيادينا وتورطت بجرمها ضمائرنا!
إن ازدهار الإنسانية وتقدمها يتجلى في كيفية الحفاظ على أرواح البشرية من الموت والدمار، يكمن في صون كرامتها وضمان حريتها، والحرص على ضمان العيش لجميع أفرادها بسلام وتسامح وأمان. لنسقي إذن وردة إنسانيتنا ونزرع بذورها بأجسام صغارنا الخصبة، لنعلمهم أن قيمة الإنسان في مدى احترامه للغير، لعلنا نقترب من الإنسانية من جديد، فشوك الورد لا يؤذي الورد لكي ينمو، فكيف للإنسان أن يؤذي إنسانا من أجل تقدم حضارته! متى ابتعد الإنسان عن إنسانيته؟
# اعداد الكاتبة ايه حسن

168 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *