جدتي

جدتي
جَــدَّتي….
مــازلْتُ أذكرُ جدّتــي …….
قـبْلَ الرُّقــــاد تضـمُّـني …..
تـرْنـو .. تقبِّــلُ وجنتي …….
ما زلتُ أسمعُـها تُهيْـنِمُ فِي الدُّجى
كحفيفِ أغْـصانٍ “لحورتِنا ” .. تعرَّتْ
تســـتـحي من لــثْــمِ بُــلْـبُــلةٍ شـقِــيّهْ ..
مازلتُ أذكر جــدّتــي :
في الليلِ تصْحو ..تُـطْـعمُ الأبْـقارَ
قبْلَ الفجْـر أصـنافاً شــهيَّهْ …
عندَ الشُّروقِ .. أبي تعوّدَ ـ كالعنادلِ ـ
أنْ يُــباكِـرَهَا الـتّحــيّهْ …….،
ويرافِـقَ الـثَّـوْرَ القويَّ ، وخِــلَّـهُ
لحِراثـةِ الأرضِ السّـــخِيّـهْ …
ويُصـفِّـقُ الديكُ الغرورُ، يصيح ، يصْدحُ
ليتني أدري لمَن يهَــبُ الوصِــيّهْ !!
مازِلْــــتُ أذكـــرُ جَــدّتـــي …..
كرَســولةٍ .. تـقـتاتُ عِــطْــرَ اليـثْربـيّـهْ
في كلِّ شَــهْـرٍ تـوقِــدُ البخّــورَ …. ..
تعْـبَـقُ في فَناء الدارِ نفـحـتَهَا الزّكــيّهْ
لمْ أنسَ مِغزالاً لضّـفْر الشَّـعْرِ يعدو في
أصـــابِـعِـهَا الطّـــريّهْ ……
مــا زلْــتُ أذكرُ جدّتــي عــنـدَ الشَّــفَــقْ
ترعى دجاجــاتٍ يعُدْنَ بدون خوفٍ أو قلقْ
والدّيـــكُ مزهـوٌ ـ كطاووسٍ ـ
يغازلُ .. منْ عَـــشــقْ …….
مازلتُ أذكرُ … دمعـةٌ حرَّى تَرَقْــرَقُ مِنْ
مآقـي جدّتي ، يومَ استفاقـتْ ذاتَ صُـبْحٍ ..
لا طَـحينَ … وقدْ تَـعـاورَنا المَـلقْ .. …
سمـعَتْ ترانيمَ البلابلِ …
تـحمَـدُ الــمـولى ، وتـشـكــرُ مَنْ رَزَقْ
تغْدو بِطاناً كلّما لبِستْ مِلاحُ الأرضِ
أثوابَ الفَــلقْ ،
وتؤوبُ نشــوى
من شــرابٍ ، وطعامٍ ، وومَــــقْ
**
وأبــي … يـشقُّ الأرضَ .. يرويها عرَقْ
طُــمِـرتْ بذورُ القمحِ في تشـرينَ ……
وانهـمرَ الغميم ..بلِ الأرقْ ……
لمْ تأتِ غاديـةٌ لتهميَ دمـعَـها ….
فوقَ الحـــــقـولِ بـقــرْيــتي !!!
وبدتْ دموعُ الحُزنِ تلمَعُ
في مــآقـــي جـــدّتــي ………
أُمّــي تلوذ بصــمْـتهِــا ……
وأنا أغـــالبُ دمــعَـتي …
**
جَـــدّي …..
تــعوَّدَ ـ كالسُّــنونو ـ أن يُــغرِّدَ شاكِرا
لـمْ يشكُ من غــمٍّ ، ولمْ أعرفْه يوماً حائرا
ويقول : إنَ الله لمْ يصنعْ وليَّاً ….
فاجـــراً ، أو جـــائــرا …………
فالذِّئبُ يُـضْنيهِ الطّوى ليصيدَ وعْلاً خائرا ..،
والصّـبْـرُ مفتاحُ الهــدى ..،
كم كان ” أحمدُ “كـ”المسيحِ “
على الرَّزايا صـابِرا …
آللـــهُ يرحمُ مؤمناً ، أو جاحداً ، أو كافِرا …
**
جَــدّي تعوَّدَ أن يرى ضوءاً خفيّاً ….
كلّما الدَيــجُــورُ أظــلمْ ..
يرنو ..يُحدِّقُ كالصُّقور .. يقول : لا
لاتيْأسي فالغيثُ قد يأتي غداً …….
أعرَفْتِ مَنْ أروى العِطاشَ ، وفجَّرَ
الأمْـواهَ من يَـنـبـوعِ زمْـزمْ ؟؟
مَـنْ يُطْـعِمُ الزّغلولَ إن ثكلتْهُ أمٌ ،
أو تـــألَّـــمْ ؟؟
وغداً …تريْنَ النّحْلةَ الغرثى على
الأزهارِ تلــعَـقُ ، بلْ تُـزمـزِمْ ،
وسنابلَ القمحِ انحنيْنَ ……،
وكلَّ صديانٍ وغرثى سوفَ يُتخَمْ
لا تقْــنطي ….
لاتيأسي .. من رحمـة الرّحمــــنِ يا امرأةً
فإنَّ اللـــــهَ أعـلمُ ، بلْ وأرْحمْ
**
غسان علي حسن ( أبو مكسيم) / من ( ضجيج الصمت )
أعجبني

 

تعليق

118 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *