ارواح مظلمة

ارواح مظلمة
أرواح مظلمة 😈😈
تعلقك بالأشياء مرَضي. ستتعب كثيرا في حياتك.
لم يعدد عدد المرات التي سمع فيها هذه الكلمات خلال طفولته وصباه وشبابه المبكر. ربما كانت المرة الأولى مدهشة للجميع لدرجة تكرارها في حكايات جدته الأسطورية لكل أطفال العائلة حتى وفاتها. عاصم بكى بشدة ولم يكمل عامه الأول لإختفاء جده. وظللنا نحاول معرفة سبب بكاءه وهو لا يستجيب لأي شيء. حتى ظننا أنه مريض. وذهبنا به للمستشفى. وهناك. حضر جده من عمله فزعا حين سمع الخبر. فوجئنا جميعا بتوقفه عن البكاء وارتمائه في أحضان جده سعيدا.
نعم. هي حكاية أسطورية بلا شك. ماذا كان يحمل ذلك الجد في روحه من جمال. يجعل الرضيع يتعلق به بهذه الطريقة. رغم عمره الكبير. كان قادرا على بث روح إيجابية في كل مكان يتواجد فيه. كانت روحه شفافة نقية. وطلباته قليلة. واحتياجاته أقل. هذا ما ادركه عاصم مع الأيام. لدرجة أنه اخبره انه سيموت في العام الذي مات فيه. وطلب منه ألا يحزن. لأن الموت انتقال لا اكثر. ورغم ذلك. شعر أن روحه اظلمت. وانهار فعليا. رغم أنه كان قد كسر العشرين بسنوات. خرج من أزمته بقرار الطفو فوق المشاعر. وانساق وراء دعوات من حوله. الأرواح المظلمة لا تنفعل. لا تتعلق. لا تستجيب. لأنها بلا حياة. كان هذا رده على سؤال فتاة عن سبب عدم استجابته لمشاعرها. لم تفهم. ولم تعذره ابدا. وردد على مسامعه تلك الكلمة التي لازمته مرحلة الصبا كلها.. مجنون. نعم. للذوات الشفافة سبلها الخاصة. ورؤيتها الفريدة للحياة. سمع هذه الكلمات من شيخ ما في مكان خلال مسيرته الحافلة بالصدامات. لكنه لم يصف له علاجا. كما فشل كل من اقترب منه في وصف دواء لإظلام روحه. لم يكن موت جده بطبيعة الحال هو السبب في الوحيد في ظلمته الداخلية. يتذكر وهو ممدد على مقعد خشبي أمام باب قديم متهالك للمكان الذي يحبه. يتذكر الخدعة الأولى التي تعرض لها. وفقدان الثقة في كل من حوله. والمرة الأولى التي وصفته زوجته بالجنون. والمرة الأولى التي سمع فيها والدته تقول لوالده أن عاصم مجنون بلا شك. تعددت المرات الأولى في حياته. كلها تسير في اتجاه واحد. لم يكن له رد فعل أبدا. تزيد مساحة الظلام داخله. في هدوء. اليوم. لم يعد يستطيع التنفس. حرفيا. نوبات ليس لها تفسير طبي هاجمته خلال حياته. لكن. هذه المرة فقد القدرة على التنفس. بعد سماع تلك الكلمة من ابنته الصبية. لم يعد في روحه مكان لنور جديد. بقدمين ثابتتين. وقناعة تامة. طرق على الباب الذي جلس أمامه عشرات المرات. وهو يقرأ اللوحة التي كادت تضيع معالمها
مستشفي الأمراض النفسية.. ويكمل الجملة دائما.. والأرواح المظلمة…
إيهاب بديوي..

165 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *